انه ابي الذي لم اره منذ بضعة اشهر فقد من الله عليه بالخروج من المعتقل بعد اعتقالي بشهر و منذ ذاك الحين كان يفصل بيني و بين رؤيته سلك يحول دون التقائنا بالاحضان او التسامر سويا كما كنا نفعل ذلك بالساعات حتي تشتكي امي من طول الحديث. رايته -هذه المرة دون حائل او سلك يفصل بيننا، و اشتبكت الاذرع بالاذرع و دقت القلوب ببعضها حتي نزلت الدموع تبلل ملابسنا و اختلطت مشاعر الحزن بالفرح بين حزن وجودي في المكان و طول البعاد و فرح اللقاء بعد فراق.
سالني عن حالي و كيف اقضي في هذا السجن؟ فبدأت بالكذب و الادعاء بانني بافضل حال حتي لا ازيد من الاوجاع و الالام التي قاساها ابي... حتي تساقطت العبرات فلم استطع تمالك دموعي فعرف ابي الحقيقة و دعاني لسردها فبدات بالسرد الحقيقي عما حدث معي... و لاول مرة اشاهد دموع ابي الصلب دوما الجلد في كل حالاته.
و كان امي كانت تبيت معي ليلتا الفيوم، اخبرني ابي انها لم تنم و كانت تشعر بكل الامك و هي التي ايقظته من نومه فجراً لكي ياتي من كفر الدوار الي الفيوم ليطمئن علي حالتي.
كانت افضل زيارة منذ اعتقلت و تركنا الضابط عن عمد لتطول مدة اللقاء، و كأن الله قد سخر عباده و وهبني تلك النفحة كي يطمان قلبي فتذكرت قول الله سريعا ( فاصبر لحكم ربك فانك بأعيننا) طاب القلب و تداوي بحديث الاب و كأن شيئا لم يحدث معي و لم اعذب او اضرب او ينكل بي من هؤلاء الظلمة. هنا فقط ظهر جليا معني الابوة و البنوة، هنا في هذه اللحظة اجتمعت كل معاني الحب الفطري من الاب لابنه و تجدست كل المشاعر في مشهد حاوطه الحب و ادفئت اجوائه المشاعر الجياشة
هنا احسست بأبي بعد 9 اشهر من انقطاع الاحاديث فيما بيننا. روحي العقلية و الفكرية التي استمدها كل مكالمة و مخاطبة انقطعت عني 9 اشهر و ما رجعت الي الا في هذه اللحظة السعيدة في تلك الظروف الموحشة
و سبحان الله.. علي الطرقات الجدباء تجد مزودات بالماء
رجعت الي الزنزانة الكبيرة مع السبعة عشر جنائيا و احدهم سياسيا و اسمه ( محمد حجازي) و لمحمد هذا حكاية كبيرة سارويها فيما بعد.
و نودي اسمي فيما بعد مستدعي الي مكتب الشؤن الاجتماعية. لاجراء بشان الامتحانات التي اتيت من اجلها.
اصطحبني احد المخبرين و سالني: انت طالب في ايه؟
- طالب اقتصاد و علوم سياسية.
_و ايه اللي جابك هنا اصلا، هما دول بيخشو السجون؟
-فيهم ناس محترمك و بتفكر و عاوزه بلدها تبقي احسن، و اللي مشغلينك مش بيحبوهم، فبيدخلوهم المعتقل.
وصلت الي المكتبة التي كانت امام عنبر الاعدام -اعاذنا الله و اياكم - دخلت الي المكتبة فوجدت كتبا، نعم والله كتبا. تعجبت و قلت بصوت عالي: سجن و كتب.. ماشاء الله اومال مش بتجيبوني هنا ليه؟
رد مسؤل المكتبة: علشان انت سياسي!
_ يعني علشان ناس بنفهمو مش بتجيبوني نتثقف... و نعم الدولة!
قاطع الاخصائي الاجتماعي الحديث: انت يا طالب هتمضي اعتذار عن الامتحانات.. ده لو عاوز ترجع بلدك تاني يعني!!!
_ و امضي اعتذار علي اي شئ؟ و من عليه الاعتذار من الاساس؟ انا و لا الكلية؟
اليوم 6 مايو... يعني باقي 13 يوم علي نهاية الامتحانات . لماذا اعتذر و لماذا هذا الارغام علي الاعتذار؟
اما المكوث في هذه الظروف القذرة او الاعتذار
الان فهمت... نعم لم افهم سر تلك الاجراءات التعسفية ضدي سوي في تلك اللحظة فحار فكري و تمثلت الكلية بطلابها بمن فيها امامي فلم استطع ان اتخذ قرارا سوي انني لن امتحن و لن اشارك في مأساة اخري بداخل السجن
فكيف لذوي العلم لديهم -وهو سبب اعتقالهم - ان يمكنوا من الامتحانات التي ترفع علومهم و ترقي بافكارهم التي يريدون هدمها.
وافقت مكرها علي التوقيع و طلبت ان اوضح سببه... فتم تهديدي الا اكتب سببا سوي " انني غير مجهز لذلك الامر " فرفضت و اصرت ان اكتب ان ظروف السجن لا تسمح و سوف اتحمل في سبيل تلك الكلمة كل عسير.
وصلت الورقة الي مأمور السجن و انتهي امر الامتحانات لدي، و ظللت معتكفا علي كتاب اقرأه كان خير مؤنس و رفيق بعد كتاب الله تعالي فكان كتاب " شبهات حول الصحابة و الرد عليها للعلامة " ابن تيمية " رضي الله عنه.
ففي هذه الغرفة التي لم المح فيها من يصلي لله تعالي سوي ثلاثة.. ظللت وحدي لا اتعلم شيئاً فيما ارجوا ان اعلم فيه، و قمت بدور المعلم فقط
معلم يعلمهم كيف الاسلام و ما اركانه و ما الصلاة و كيف تصلي و فقه الوضوء و الطهارة حتي احسست انني غادرت الي غابات افريقيا الوسطى حيث لا انسانية بين هؤلاء اعلمهم الاسلام و مبادئه.... فكان لهذا الامر اثر عظيم علي نفسي... كيف ان هؤلاء في بلد مسلم لا يعرفون شيئاً عن الاسلام؟
اقسم بالله اني احترت و وصلت الي مرحلة فكرية و فلسفية بعيدة المدي لم اصل اليها من قبل عن تكوين الانسان، و عن ظروف العيش و الحكمة الربانية في ذلك
لماذا ولدت في اسرة تقدس العلم و التعلم و هؤلاء لم تتوفر لهم نفس ظروفي و لم يصادفوا في الحياة من يعلمهم من الاساس او ينجح في تعليمهم؟
عشت مع القاتل و اللص و المعتاد علي الاجرام في كل الانواع و العامل المشترك بين كل هؤلاء هو سذاجة العقلو غلبة الغضب و قلة العلم.
تلك الايام في سجن الفيوم العمومي و ان كانت قليلة العدد لا تتعدي الخمسة عشرة يوماً
الا ان لها اثرا في نفسي يفوق السنين.
آثرت ان اكتب تلك الرحلة بالذات لانها مستني بصفتي التي احب ان اتصف بها ( الطالب) مسمي و مضمونا
انا الطالب في الجامعة و انا الطالب للعدل و الحق و السلام و الحرية و العلم
انا و ان خسرت في هذه الرحلة عاما من دراستي الا انني قد كسبت خبرة سنين لن يكتسبها من ادي الامتحانات في كليتي
ظلمت... فحرمت ان اظلم احدا لانه من ذاق الظلم و تجرع مرارته لا يقدر علي ممارسته ابدا
تعاملت مع كل الاطياف و الاجناس.... فخبرت بمعادن الناس
جلست وحيدا فترات طويلة.... فقوي تاملي و عرفت الله حقا في ايام السواد و الظلمة حينما يلقي في القلب سكينه تجعله لا يخاف احدا الا جل جلاله
تركت سجن الفيوم..... في ترحيلة طافت بي 3 سجون ( الاستئناف_ بنها العمومي_الابعادية) في 10 ساعات و نصف!!!! مكبل اليد " مكلبش " بدون طعام.
تعلمت في تلك الرحلة ان اكون رجلا و اتكيف علي كل الظروف... انام في اي مكان. تعلمت الحرية
نعم من السجن... تتولد كل افكار الحرية
ما من عظيم قد عارض الاستبداد الا و قد زج به في غياهب السجن
و ستبقي هذه الايام وساما خالدا لا يزول من علي صدري افخر بها و اتعلم منها
و ها انا ذا انشر هذا الجزء الاخير عن رحلتي للامتحانات التي لم تتم، و قد شارف امتحاني علي البدأ
سيف الاسلام
و كان امي كانت تبيت معي ليلتا الفيوم، اخبرني ابي انها لم تنم و كانت تشعر بكل الامك و هي التي ايقظته من نومه فجراً لكي ياتي من كفر الدوار الي الفيوم ليطمئن علي حالتي.
هنا احسست بأبي بعد 9 اشهر من انقطاع الاحاديث فيما بيننا. روحي العقلية و الفكرية التي استمدها كل مكالمة و مخاطبة انقطعت عني 9 اشهر و ما رجعت الي الا في هذه اللحظة السعيدة في تلك الظروف الموحشة
و سبحان الله.. علي الطرقات الجدباء تجد مزودات بالماء
و نودي اسمي فيما بعد مستدعي الي مكتب الشؤن الاجتماعية. لاجراء بشان الامتحانات التي اتيت من اجلها.
اصطحبني احد المخبرين و سالني: انت طالب في ايه؟
اليوم 6 مايو... يعني باقي 13 يوم علي نهاية الامتحانات . لماذا اعتذر و لماذا هذا الارغام علي الاعتذار؟
اما المكوث في هذه الظروف القذرة او الاعتذار
الان فهمت... نعم لم افهم سر تلك الاجراءات التعسفية ضدي سوي في تلك اللحظة فحار فكري و تمثلت الكلية بطلابها بمن فيها امامي فلم استطع ان اتخذ قرارا سوي انني لن امتحن و لن اشارك في مأساة اخري بداخل السجن
فكيف لذوي العلم لديهم -وهو سبب اعتقالهم - ان يمكنوا من الامتحانات التي ترفع علومهم و ترقي بافكارهم التي يريدون هدمها.
وافقت مكرها علي التوقيع و طلبت ان اوضح سببه... فتم تهديدي الا اكتب سببا سوي " انني غير مجهز لذلك الامر " فرفضت و اصرت ان اكتب ان ظروف السجن لا تسمح و سوف اتحمل في سبيل تلك الكلمة كل عسير.
وصلت الورقة الي مأمور السجن و انتهي امر الامتحانات لدي، و ظللت معتكفا علي كتاب اقرأه كان خير مؤنس و رفيق بعد كتاب الله تعالي فكان كتاب " شبهات حول الصحابة و الرد عليها للعلامة " ابن تيمية " رضي الله عنه.
ففي هذه الغرفة التي لم المح فيها من يصلي لله تعالي سوي ثلاثة.. ظللت وحدي لا اتعلم شيئاً فيما ارجوا ان اعلم فيه، و قمت بدور المعلم فقط
معلم يعلمهم كيف الاسلام و ما اركانه و ما الصلاة و كيف تصلي و فقه الوضوء و الطهارة حتي احسست انني غادرت الي غابات افريقيا الوسطى حيث لا انسانية بين هؤلاء اعلمهم الاسلام و مبادئه.... فكان لهذا الامر اثر عظيم علي نفسي... كيف ان هؤلاء في بلد مسلم لا يعرفون شيئاً عن الاسلام؟
اقسم بالله اني احترت و وصلت الي مرحلة فكرية و فلسفية بعيدة المدي لم اصل اليها من قبل عن تكوين الانسان، و عن ظروف العيش و الحكمة الربانية في ذلك
لماذا ولدت في اسرة تقدس العلم و التعلم و هؤلاء لم تتوفر لهم نفس ظروفي و لم يصادفوا في الحياة من يعلمهم من الاساس او ينجح في تعليمهم؟
عشت مع القاتل و اللص و المعتاد علي الاجرام في كل الانواع و العامل المشترك بين كل هؤلاء هو سذاجة العقلو غلبة الغضب و قلة العلم.
تلك الايام في سجن الفيوم العمومي و ان كانت قليلة العدد لا تتعدي الخمسة عشرة يوماً
الا ان لها اثرا في نفسي يفوق السنين.
آثرت ان اكتب تلك الرحلة بالذات لانها مستني بصفتي التي احب ان اتصف بها ( الطالب) مسمي و مضمونا
انا الطالب في الجامعة و انا الطالب للعدل و الحق و السلام و الحرية و العلم
انا و ان خسرت في هذه الرحلة عاما من دراستي الا انني قد كسبت خبرة سنين لن يكتسبها من ادي الامتحانات في كليتي
ظلمت... فحرمت ان اظلم احدا لانه من ذاق الظلم و تجرع مرارته لا يقدر علي ممارسته ابدا
تعاملت مع كل الاطياف و الاجناس.... فخبرت بمعادن الناس
جلست وحيدا فترات طويلة.... فقوي تاملي و عرفت الله حقا في ايام السواد و الظلمة حينما يلقي في القلب سكينه تجعله لا يخاف احدا الا جل جلاله
تعلمت في تلك الرحلة ان اكون رجلا و اتكيف علي كل الظروف... انام في اي مكان. تعلمت الحرية
نعم من السجن... تتولد كل افكار الحرية
ما من عظيم قد عارض الاستبداد الا و قد زج به في غياهب السجن
و ستبقي هذه الايام وساما خالدا لا يزول من علي صدري افخر بها و اتعلم منها
و ها انا ذا انشر هذا الجزء الاخير عن رحلتي للامتحانات التي لم تتم، و قد شارف امتحاني علي البدأ
