الأربعاء، 30 ديسمبر 2015

و ضاعت سنة و لكني كسبت اكثر... الجزء الثالث

انه ابي الذي لم اره منذ بضعة اشهر فقد من الله عليه بالخروج من المعتقل بعد اعتقالي بشهر و منذ ذاك الحين كان يفصل بيني و بين رؤيته سلك يحول دون التقائنا بالاحضان او التسامر سويا كما كنا نفعل ذلك بالساعات حتي تشتكي امي من طول الحديث.  رايته -هذه المرة دون حائل او سلك يفصل بيننا،  و اشتبكت الاذرع بالاذرع و دقت القلوب ببعضها حتي نزلت الدموع تبلل ملابسنا و اختلطت مشاعر الحزن بالفرح بين حزن وجودي في المكان و طول البعاد و فرح اللقاء بعد فراق. 

سالني عن حالي و كيف اقضي في هذا السجن؟  فبدأت بالكذب و الادعاء بانني بافضل حال حتي لا ازيد من الاوجاع و الالام التي قاساها ابي...  حتي تساقطت العبرات فلم استطع تمالك دموعي فعرف ابي الحقيقة و دعاني لسردها فبدات بالسرد الحقيقي عما حدث معي...  و لاول مرة اشاهد دموع ابي الصلب دوما الجلد في كل حالاته.  
و كان امي كانت تبيت معي ليلتا الفيوم،  اخبرني ابي انها لم تنم و كانت تشعر بكل الامك و هي التي ايقظته من نومه فجراً لكي ياتي من كفر الدوار الي الفيوم ليطمئن علي حالتي. 

كانت افضل زيارة منذ اعتقلت و تركنا الضابط عن عمد لتطول مدة اللقاء،  و كأن الله قد سخر عباده و وهبني تلك النفحة كي يطمان قلبي فتذكرت قول الله سريعا ( فاصبر لحكم ربك فانك بأعيننا)  طاب القلب و تداوي بحديث الاب و كأن شيئا لم يحدث معي و لم اعذب او اضرب او ينكل بي من هؤلاء الظلمة.  هنا فقط ظهر جليا معني الابوة و البنوة، هنا في هذه اللحظة اجتمعت كل معاني الحب الفطري من الاب لابنه و تجدست كل المشاعر في مشهد حاوطه الحب و ادفئت اجوائه المشاعر الجياشة 
هنا احسست بأبي بعد 9 اشهر من انقطاع الاحاديث فيما بيننا.  روحي العقلية و الفكرية التي استمدها كل مكالمة و مخاطبة انقطعت عني 9 اشهر و ما رجعت الي الا في هذه اللحظة السعيدة في تلك الظروف الموحشة 
و سبحان الله..  علي الطرقات الجدباء تجد مزودات بالماء

رجعت الي الزنزانة الكبيرة مع السبعة عشر جنائيا و احدهم سياسيا و اسمه ( محمد حجازي)  و لمحمد هذا حكاية كبيرة سارويها فيما بعد.  
و نودي اسمي فيما بعد مستدعي الي مكتب الشؤن الاجتماعية.  لاجراء بشان الامتحانات التي اتيت من اجلها.  
اصطحبني احد المخبرين و سالني: انت طالب في ايه؟ 

- طالب اقتصاد و علوم سياسية. 

_و ايه اللي جابك هنا اصلا،  هما دول بيخشو السجون؟ 

-فيهم ناس محترمك و بتفكر و عاوزه بلدها تبقي احسن،  و اللي مشغلينك مش بيحبوهم،  فبيدخلوهم المعتقل. 

وصلت الي المكتبة التي كانت امام عنبر الاعدام -اعاذنا الله و اياكم - دخلت الي المكتبة فوجدت كتبا، نعم والله كتبا. تعجبت و قلت بصوت عالي: سجن و كتب..  ماشاء الله اومال مش بتجيبوني هنا ليه؟ 

رد مسؤل المكتبة: علشان انت سياسي! 

_ يعني علشان ناس بنفهمو مش بتجيبوني نتثقف...  و نعم الدولة! 

قاطع الاخصائي الاجتماعي الحديث: انت يا طالب هتمضي اعتذار عن الامتحانات..  ده لو عاوز ترجع بلدك تاني يعني!!! 

_ و امضي اعتذار علي اي شئ؟  و من عليه الاعتذار من الاساس؟  انا و لا الكلية؟  
اليوم 6 مايو... يعني  باقي 13 يوم علي نهاية الامتحانات .  لماذا اعتذر و لماذا هذا الارغام علي الاعتذار؟  
اما المكوث في هذه الظروف القذرة او الاعتذار 
الان فهمت...  نعم لم افهم سر تلك الاجراءات التعسفية ضدي سوي في تلك اللحظة فحار فكري و تمثلت الكلية بطلابها بمن فيها امامي فلم استطع ان اتخذ قرارا سوي انني لن امتحن و لن اشارك في مأساة اخري بداخل السجن 
فكيف لذوي العلم لديهم -وهو سبب اعتقالهم - ان يمكنوا من الامتحانات التي ترفع علومهم و ترقي بافكارهم التي يريدون هدمها.  
وافقت مكرها علي التوقيع و طلبت ان اوضح سببه...  فتم تهديدي الا اكتب سببا سوي " انني غير مجهز لذلك الامر " فرفضت و اصرت ان اكتب ان ظروف السجن لا تسمح و سوف اتحمل في سبيل تلك الكلمة كل عسير.  
وصلت الورقة الي مأمور السجن و انتهي امر الامتحانات لدي،  و ظللت معتكفا علي كتاب اقرأه كان خير مؤنس و رفيق بعد كتاب الله تعالي فكان كتاب " شبهات حول الصحابة و الرد عليها للعلامة " ابن تيمية " رضي الله عنه.  
ففي هذه الغرفة التي لم المح فيها من يصلي لله تعالي سوي ثلاثة..  ظللت وحدي لا اتعلم شيئاً فيما ارجوا ان اعلم فيه،  و قمت بدور المعلم فقط 
معلم يعلمهم كيف الاسلام و ما اركانه و ما الصلاة و كيف تصلي و فقه الوضوء و الطهارة حتي احسست انني غادرت الي غابات افريقيا الوسطى حيث لا انسانية بين هؤلاء اعلمهم الاسلام و مبادئه....  فكان لهذا الامر اثر عظيم علي نفسي...  كيف ان هؤلاء في بلد مسلم لا يعرفون شيئاً عن الاسلام؟  
اقسم بالله اني احترت و وصلت الي مرحلة فكرية و فلسفية بعيدة المدي لم اصل اليها من قبل عن تكوين الانسان،  و عن ظروف العيش و الحكمة الربانية في ذلك 
لماذا ولدت في اسرة تقدس العلم و التعلم و هؤلاء لم تتوفر لهم نفس ظروفي و لم يصادفوا في الحياة من يعلمهم من الاساس او ينجح في تعليمهم؟  
عشت مع القاتل و اللص و المعتاد علي الاجرام في كل الانواع و العامل المشترك بين كل هؤلاء هو سذاجة العقلو غلبة الغضب و قلة العلم.  
تلك الايام في سجن الفيوم العمومي و ان كانت قليلة العدد لا تتعدي الخمسة عشرة يوماً 
الا ان لها اثرا في نفسي يفوق السنين.  
آثرت ان اكتب تلك الرحلة بالذات لانها مستني بصفتي التي احب ان اتصف بها ( الطالب) مسمي و مضمونا 
انا الطالب في الجامعة و انا الطالب للعدل و الحق و السلام و الحرية و العلم 
انا و ان خسرت في هذه الرحلة عاما من دراستي الا انني قد كسبت خبرة سنين لن يكتسبها من ادي الامتحانات في كليتي 
ظلمت... فحرمت ان اظلم احدا لانه من ذاق الظلم و تجرع مرارته لا يقدر علي ممارسته ابدا 
تعاملت مع كل الاطياف و الاجناس....  فخبرت بمعادن الناس 
جلست وحيدا فترات طويلة....  فقوي تاملي و عرفت الله حقا في ايام السواد و الظلمة حينما يلقي في القلب سكينه تجعله لا يخاف احدا الا جل جلاله


تركت سجن الفيوم..... في ترحيلة طافت بي 3 سجون ( الاستئناف_ بنها العمومي_الابعادية)  في 10 ساعات و نصف!!!!  مكبل اليد " مكلبش " بدون طعام.  
تعلمت في تلك الرحلة ان اكون رجلا و اتكيف علي كل الظروف...  انام في اي مكان. تعلمت الحرية 
نعم من السجن...  تتولد كل افكار الحرية 
ما من عظيم قد عارض الاستبداد الا و قد زج به في غياهب السجن 
و ستبقي هذه الايام وساما خالدا لا يزول من علي صدري افخر بها و اتعلم منها 
و ها انا ذا انشر هذا الجزء الاخير عن رحلتي للامتحانات التي لم تتم،  و قد شارف امتحاني علي البدأ

سيف الاسلام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق